ابن أبي الحديد
104
شرح نهج البلاغة
فإنه مخاطر لأنه لا يأمن أن يكون بعض تلك السيئات تحبط أعماله الصالحة ، كما لا يأمن أن يكون بعض أعماله الصالحة يكفر تلك السيئات ، والمراد أنه لا يجوز للمكلف أن يفعل إلا الطاعة أو المباح . الرابع والعشرون قوله : " رب يسير أنمى من كثير " ، قد جاء في الأثر : قد يجعل الله من القليل الكثير ، ويجعل من الكثير البركة . وقال الفرزدق : فإن تميما قبل أن يلد الحصا * أقام زمانا وهو في الناس واحد وقال أبو عثمان الجاحظ : رأينا بالبصرة أخوين ، كان أبوهما يحب أحدهما ويبغض الاخر ، فأعطى محبوبه يوم موته كل ماله - وكان أكثر من مائتي ألف درهم - ولم يعط الاخر شيئا ، وكان يتجر في الزيت : ويكتسب منه ما يصرفه في نفقة عياله ، ثم رأينا أولاد الأخ الموسر بعد موت الأخوين من عائلة ولد الأخ المعسر يتصدقون عليهم من فواضل أرزاقهم . الأصل : لا خير في معين مهين ، ولا في صديق ظنين . ساهل الدهر ما ذل لك قعوده ، ولا تخاطر بشئ رجاء أكثر منه ، وإياك أن تجمح بك مطية اللجاج . احمل نفسك من أخيك عند صرمه على الصلة ، وعند صدوده على اللطف والمقاربة ، وعند جموده على البذل ، وعند تباعده على الدنو ، وعند شدته على اللين ، وعند جرمه على العذر ، حتى كأنك له عبد ، وكأنه ذو نعمة عليك .